الشيخ حسين المظاهري (مترجم: خالد توفيق)

56

اليوم الآخر

أمّا حينما نحّس بالعطش فانّ الحالة تعبّر عن نوع من الحصول الذاتي الداخلي . يقول القرآن الكريم حول مسألة « المبدأ » : « فإذا ركبوا في الفلك دعوا اللّه مخلصين له الدين . فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون » « 1 » . وهذه الآية الكريمة تكشف عن معنى عودة الإنسان إلى فطرته . فإذا ركب البحر وهبّت عاصفة عنيفة ، بحيث أخذت الأمواج المتلاطمة تهدّد بابتلاعه وسحبه إلى قعر البحر ، والقذف به بين لجحه ، فإنّ الإنسان في مثل هذه الحالة ، وحينما يفتقد كل وسائل النجاة ، يبدأ بالتعلّق باللّه ، ويعود إلى فطرته وما جبل عليه ، إذ يستيقن أن لا منجي له من المهلكة سوى اللّه . والإيمان ب « المبدأ » في هذه الحالة يشبه الاحساس بالعطش ؛ أي انّه فطري ، ولكن مشكلة الإنسان انّه ما ان يصل إلى ساحل الأمن والنجاة حتى ينسلخ من حالته هذه ، ويدع فطرته التي آبت في لحظة الاحساس بالخطر ، ويكون عرضة للنسيان ، حيث يعود إلى شركه وما كان عليه . امّا إذا كان الإنسان سليم النفس ، فان فطرته ستبقى يقظة دائما ، وسترافقه وتهديه إلى الإيمان بالمبدأ والمعاد ، وحينها سيكون مصداقا لقوله ( تعالى ) : « لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه » « 2 » . انّ نور الفطرة في إنسان كهذا يبقى مشعّا دوما ، فيضيء داخله فيرى ربّه بعين البصيرة القلبية المنوّرة بالفطرة ؛ يراه حاضرا وموجودا في كل شيء ؛ بل يراه حضورا دائما . هذه الحالة يعبّر عنها الإمام الحسين في دعائه يوم عرفة ، بقوله ( عليه السلام ) : « متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا ترا » « 3 » .

--> ( 1 ) العنكبوت : 65 . ( 2 ) النور : 37 . ( 3 ) مفاتيح الجنان ص 272 .